محمد بن جرير الطبري
145
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فجمع بين التشديد والتخفيف ، كما قال الأعشى : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا وقد يجوز أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحدا . فإنه محكي عن العرب ، قدر عليه الموت ، وقدر بالتخفيف والتشديد . وعني بقوله : فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن ابن المبارك عن جويبر ، عن الضحاك فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ قال : فملكنا فنعم المالكون . وقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول جل ثناؤه : ويل يومئذ للمكذبين بان الله خلقهم من ماء مهين . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً وَجَعَلْنا فِيها يقول تعالى ذكره منبها عباده على نعمه عليهم : أَ لَمْ نَجْعَلِ أيها الناس الْأَرْضَ لكم كِفاتاً يقول : وعاء ؛ تقول : هذا كفت هذا وكفيته ، إذا كان وعاءه . وإنما معنى الكلام : ألم نجعل الأرض كفات أحيائكم وأمواتكم ، تكفت أحياءكم في المساكن والمنازل ، فتضمهم فيها وتجمعهم ، وأمواتكم في بطونها في القبور ، فيدفنون فيها . وجائز أن يكون عني بقوله : كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً تكفت أذاهم في حال حياتهم ، وجيفهم بعد مماتهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً يقول : كنا . حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : أخبرنا خالد ، عن مسلم ، عن زاذان أبي عمر ، عن الربيع بن خثيم ، عن عبد الله بن مسعود ، أنه وجد قملة في ثوبه ، فدفنها في المسجد ثم قال : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو معاوية ، قال : ثنا مسلم الأعور ، عن زاذان ، عن ربيع بن خثيم ، عن عبد الله ، مثله . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ليث ، قال : قال مجاهد في الذي يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد ، ولا أدري قال في صلاة أم لا ، إن شئت فألقها ، وإن شئت فوارها أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن شريك ، عن بيان ، عن الشعبي أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً قال : بطنها لأمواتكم ، وظهرها لأحيائكم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً قال : تكفت أذاهم . أَحْياءً تواريه وَأَمْواتاً يدفنون : تكفتهم وقد : حدثني به ابن حميد مرة أخرى ، فقال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً قال : تكفت أذاهم وما يخرج منهم أَحْياءً وَأَمْواتاً قال : تكقتهم في الأحياء والأموات . حدثني محمد بن عمرو ، قال : تنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قالا : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً قال : أحياء يكونون فيها . قال محمد بن عمرو : يغيبون قيها ما أرادوا ، وقال الحرث ويغيبون فيها ما أرادوا . وقوله : أَحْياءً وَأَمْواتاً قال : يدفنون فيها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً يسكن فيها حيهم ، ويدفن فيها ميتهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أَحْياءً وَأَمْواتاً قال : أحياء فوقها على ظهرها ، وأمواتا يقبرون فيها . واختلف أهل العربية في الذي نصب أَحْياءً وَأَمْواتاً فقال بعض نحويي البصرة : نصب على الحال . وقال بعض نحويي الكوفة : بل نصب ذلك بوقوع الكفات عليه ، كأنك قلت : ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات ، فإذا نونت نصبت كما يقرأ من يقرأ : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ وهذا القول أشبه عندي بالصواب . وقوله : وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ يقول تعالى ذكره : وجعلنا في الأرض حبالا ثابتات فيها ، باذخات شاهقات ، كما : حدثني بشر ، قال . ثنا يزيد ، قال : ثنا